قراءة وتحليل رواية 1Q84 : ماذا لو تغيّر العالم من حولنا دون أن نلاحظ؟
رواية 1Q84 للكاتب الياباني هاروكي موراكامي تدخلنا إلى عالمين متوازيين يبدوان متطابقين تقريباً، لكن شيئاً خفياً يغير كل شيء. هنا تبدأ الأسئلة الكبيرة التي تطرحها الرواية: أي العالمين هو الحقيقي؟ وأين ينتهي الواقع ويبدأ الخيال؟
هذه الفكرة العميقة والمعقدة هي ما تدور حوله رواية 1Q84 ومن هذه الفكرة تتولد أفكار مختلفة تناقش مواضيع التعصب، الدين، الرأسمالية، العنف ضد المرأة، والشعور بوحدة الفرد في هذا المجتمع الصاخب. مواضيع يختلف كلاً منها عن الآخر، ولكن في عوالم موراكامي تجتمع هذه المواضيع لتخلق عالماً من التشويق والإثارة.
العنوان1Q84 يمثل العالم الموازي لعام ١٩٤٨، فالرقم ٩ ينطق باليابانية (كيو)، وهكذا يتضح لنا كيف أن هذين العالمين قد يكونان متطابقين تماماً إلا أن اختلافاً بسيطاً قد حدث بينهما. وأن تدور أحداث هذه الرواية في هذا العام بالتحديد لم يكن اعتباطاً، فهنا يستنسخ هاروكي موراكامي عالم جورج أورويل في روايته العظيمة ١٩٨٤، غير أن الفرق الجوهري بين عالم أورويل وعالم موراكامي هو أن السيطرة في ١٩٨٤ سياسية، بينما تظهر في 1Q84 بشكل أكثر غموضاً وروحانية، عبر قوى وجماعات مغلقة تتحكم بإيمان الناس وأفكارهم، قوى تتحكم برزقهم وسعيهم الحثيث للكسب.
اقرأ في هذه المدونة "جورج أورويل ١٩٨٤"
تعد هذه الرواية من أعقد الروايات بناءً، ويسير السرد في خطوط متوازية بين عالم ١٩٨٤ و عالم 1Q84. وداخل هذه القصة قصة أخرى هي رواية "الشرنقة الهوائية" التي يعيد بناءها وكتابتها بطل الرواية (تنغو)، شاب يعمل مدرساً للرياضيات، موهوب أدبياً ويسعى إلى بدء خطواته الأولى في عالم الأدب، فيعرض عليه المحرر الأدبي (كوماتسو) رواية الشرنقة الهوائية التي كتبتها فتاة في السابعة عشرة اسمها (فوكا-إري). وبحس المحرر الذكي يتنبأ (كوماتسو) بأن هذه الرواية ستحقق نجاحاً أدبياً إذا أعيدت صياغتها، وهذا ما حصل بعد أن قام تنغو بذلك.
تداخل حياة تنغو وطفولته وذكرياته مع (أومامِه). وهي مدربة لياقة بدنية نهاراً، وقاتلة مأجورة محترفة ليلاً، تستهدف الرجال الذين يرتكبون أعمال عنف ضد زوجاتهم. والذكرى الوحيدة بينهما لم تكن سوى أن أمسك أحدهما بيد الآخر في سن العاشرة، ولم يلتقيا بعدها. ومن هذه اللحظة ينسج موراكامي قصة حب سريالية بين تنغو وأومامِه.
(تنغو) ابن رجل يعمل كمحصل لقيمة اشتراكات قنوات (إن اتش كيه)، رجل عملي جداً، يسعى في عمله هذا بجد وتفانٍ، وهذا ما جعله أباً قاسياً على ابنه؛ حرمه من اللعب مع بقية الأطفال حتى يعاونه في هذا العمل، وربما ليستعطف به الزبائن. أما أومامِه فهي ابنة لأبوين ناشطين في جماعة الشهود، وهي جماعة تبشيرية متشددة؛ إذ يجولان على البيوت بغرض التبشير وهداية الناس للإيمان بحسب زعمهم، وهذا ما جعلهما أيضاً قاسيين على أومامِه باسم الدين.
من هنا نلحظ هذه الطفولة المتشابهة لبطلي الرواية، تنغو وأومامِه؛ فكلاهما ضحية التعصب، التعصب الديني بالنسبة لأومامِه، والتعصب الرأسمالي بالنسبة لتنغو، وهذا ما دعاهما إلى نبذ هذه الحياة ومحاولة التحرر منها وشق طريقيهما بإرادة مختلفة مبنية على قناعة مختلفة، فأصبح لكل منهما طريقه الخاص في هذه الحياة. وهنا يأتي سؤال الحرية الكبير: "ماذا يعني أن يكون المرء حراً؟" فحتى إذا استطعت الهرب من قفص ما، ستدخل في قفص آخر، أو قفصٍ أكبر من سابقه.
اقرأ في هذه المدونة "سيدة الفساتين - ماريا دوينياس"
في لحظة معينة من أحداث حياة كلٍّ من تنغو وأومامه، حدثَ حدثٌ نقلهما من العالم الحقيقي والذي تدور أحداثه في عام ١٩٨٤ إلى عالم موازي آخر هو عالم 1Q84. في هذا العالم يصبح القمر في السماء قمرين، في هذا العالم كائنات غامضة تُسمى (الناس الصغار) لهم تأثير غامض على البشر، ويتحكمون بالعالم من خلال جماعة دينية غامضة ومتطرفة. ومن هنا يناقش موراكامي خطورة التطرف الديني وخطورة الجماعات السرية مستلهماً ذلك من أبرز الحوادث المأساوية في تاريخ اليابان الحديث والتي حصلت بمهاجمة مرتادي مترو طوكيو بغاز كيميائي عام ١٩٩٥ بواسطة أفراد جماعة (أوم شينريكيو) المتطرفة. وهذا يفتح أعيننا لسؤال: كيف يمكن للأفكار المتطرفة، أو لهذه الجماعات المغلقة والسرية أن تشكل حياة الناس وتغيرهم؟
في هذه الرحلة في العالم الموازي يبحث تنغو عن أومامه، وتبحث أومامه عن تنغو؛ إشارة إلى بحثنا عمن يكملنا، عمن يكمل نصفنا الآخر. وبذلك تطرح الرواية سؤال الاكتفاء بالذات، لكنها توحي في الوقت نفسه بأن هذا الاكتفاء قد يكون وهماً اجتماعياً يخفي وحدة عميقة يعيشها الفرد المعاصر. في أعمال موراكامي غالباً ما تبدو المدن مزدحمة، لكنها في الوقت نفسه أماكن للوحدة العميقة؛ شخصيات تتحرك وسط الناس لكنها تعيش في عزلة داخلية حادة. هذا ما يحاول أن يظهره موراكامي في هذا السرد الذي يستخدم فيه أسلوبه المعتمد على الإيقاع البطيء والتفاصيل اليومية المتكررة، وهو أسلوب قد يبدو عادياً في الظاهر، لكنه يخلق احساساً عميقاً بالوحدة والخواء. وهذا ما يجعل الكل يبحث عن الامتلاء سواء بالجنس، أو الكحول، أو التطرف؛ فمحاولة إيجاد معنى للحياة مسألة معقدة وصعبة لمن يعاني من كل هذا الخواء.
في هذا العالم الموازي وعندما يقوم تنغو بإعادة كتابة رواية "الشرنقة الهوائية"، يجد أن كل ما كتبه في هذه الرواية من خيال قد تحقق في الواقع. ومن خلال هذه الفكرة وضعني موراكامي أمام سؤال راودني وأنا اقرأ هذا التحول من الخيال للواقع في هذه القصة: هل يمكن أن تكون الكتابة أداة لتغيير العالم؟ هل يمكن للقصص أن تصنع واقعاً، وليست مجرد أداة لوصفه؟
اقرأ في هذه المدونة "كيف يمكن للفن أن يغير حياتك"
ولعل أحد أكثر الأفكار إثارة في الرواية هو أن الانتقال بين العالمين لا يحدث عبر معجزة كونية أو حدث خارق، بل عبر قرار بسيط في لحظة عادية. وكأن موراكامي يقترح أن حياتنا قد تتغير جذرياً بسبب قرارات صغيرة. وهذا ما دفعني للتفكير في قراراتنا: ما هو القرار الذي أنتج حياتنا التي نعيشها اليوم؟ ولو أعملنا خيالنا أكثر -وهذا ما يفعله أدب موراكامي- فكيف لو كان لذواتنا نسخٌ أخرى في عالم آخر؟ كيف لها أن تكون؟ أترك لكم الإبحار بخيالكم لجواب هذا السؤال.
على طول هذا الرحلة السردية تولّدت في مخيلتي الأسئلة لتخلق تجربة فكرية، الهدف منها ليس المتعة والإثارة فقط، بل إعمال العقل والتفكر في الحياة والقرارات والمصير. رحلة تجعلنا ننتبه إلى الواقع: هل يمكننا أن نغير واقعنا بتغيير طريقة تفكيرنا ودراسة قراراتنا؟ هل نعيش النسخة الوحيدة من حياتنا؟ هل العالم من حولنا يتغير ولا نشعر به؟ هذه الفكرة بحد ذاتها مرعبة، فأبطال الرواية تغير عالمهم من دون أن يشعروا بذلك، فعالم 1Q84 ليس مقلقاً بغرابته فقط، بل أن معظم الناس لا يلاحظون التغيير أصلاً: فهل أعمى الروتين اليومي، وصخب الحياة بصائرنا عن ملاحظة التغيرات في حياتنا؟
لمتابعة منصات حرم الجمال (انقر هنا)
في النهاية لا تبدة رواية 1Q84 مجرد قصة سريالية عن عالمين متوازيين، بل تأملاً طويلاً في معني الحرية، والوحدة، ووهم الاكتفاء بالذات، وفي قدرة الانسان على النجاة بالحب والإرادة حتى داخل عوالم غامضة لا يفهم قوانينها: "لقد دخلنا نحن الاثنين مكاناً خطراً، حيث لم يكن للمنطق وجود، ونجونا بأعجوبة، ووجد كلانا الآخر، وفرَرنا معاً سراً. وسواء كان هذا المكان الذي وصلنا إليه هو العالم الذي منه بدأنا أو كان عالماً جديداً، فما الذي يجب أن أخشاه؟ إذا كانت تنتظرنا تجارب جديدة، فليس علينا إلّا التغلب عليها، كما فعلنا من قبل. هذا كلّ ما في الأمر. لكننا على الأقل لم نعُد وحدنا".
تعليقات
إرسال تعليق