الأحد، 6 أغسطس، 2017

شحاذو المعجزات


من بعد قراءتي للرواية الشهيرة الساعة الخامسة والعشرون لقسطنطين جيورجيو ها أنا أقرأ الرواية الثانية له من إصدار دار ميسكيلياني وترجمة وحيدة بن حمادو، الطبعة الأولى ٢٠١٧م، رواية (شحاذو المعجزات) والتي يكمل من خلالها قسطنطين جيورجيو مشواره في تعرية الوجه الآخر، الوجه اللاإنساني للحضارة الغربية بوجه عام والحضارة الأوربية بوجه خاص، فبطلي هذه الرواية (ماكس أومبيلينيت) و (ستانيسلاس كريتزا) هما رجلان أحدهما أسود والآخر أبيض، جسّد من خلالهما العنصرية المتسترة بستار الحضارة وقوانين المساواة.

ماكس أومبيلينيت، أمريكي أسود مليونير، وكأن قسطنطين جورجيو أراد هنا أن يصور أفريقيا القارة السوداء الغنية بثرواتها من خلاله. فكيف تعاملت أمريكا مع مواطنها الأسود؟ سلبته حياته وكرامته بأبشع الصور وأقذرها وتحت حماية القانون! بعد أن تم اختطافه من قبل البيض وتم التمثيل به والقضاء على رجولته، نجى أولائك المجرمون بفعلتهم بحكم القانون القائم على شهادات الزور لأن القضاة (لا يحققون العدالة انطلاقاً مما يعرفونه، وإنما بالاستناد إلى الأدلة التي يمتلكونها. الله وحده هو العليم، فالقضاة الذين ليسوا إلا بشراً لا يعلمون شيئاً. وبالتالي، فإن تقديرهم للحقيقة يستوجب توفر أدلة).

قرر ماكس أن يغادر أمريكا للأبد بعد أن رحبت به روسيا محاولة اظهار أنها دولة تسعى لتحقيق العدالة والمساواة وإعطاء أصحاب الحقوق حقوقها ولم يكن ذلك سوى قناع يتم من خلاله استغلال أفريقيا المتمثلة هنا بماكس، وتشويه نزاهة الحضارة الأمريكية.

في روسيا التقى ماكس وستانيسلاس بعد أن تم اختيار ماكس بعناية لتنفيذ عملية اغتيال أربعة مبشرين في أفريقيا وبالتحديد في قرية (آكلو لحوم البشر) وهذا الوصف لهذه القرية ما هو إلا صورة تعكس نظرة الاحتقار التي يُنظر بها إلى هؤلاء. أوكلت هذه المهمة لماكس لأنه رجل اسود والاغتيالات عمل قذر (لا يوكل إلا لرجل أسود. فالأبيض لن يقبل القيام بعمل كهذا). لم تكن هذه الجريمة إلا ذريعة يتم من خلالها إبادة هؤلاء السود من قبل الأوربيين بحجة الانتقام من جهة ولتأليب الرأي العام من جهة أخرى لقيام ثورة في هذه المناطق تطيل من مدة الاستعمار في هذه المنطقة بحجة تعليمهم الحضارة، لأنهم يزعمون أن (تحرير الشعوب البدائية لا يمكن أن يتم إلا بعد ترحيلها نحو الحداثة).  

تمت الاغتيالات، تمت عملية البحث عن القاتل وإبادة الشعب بحجة البحث والتحري، تقوم الثورة، تعلن أوروبا ضرورة محاسبة الجنرال المسؤول عن المجازر التي تمت خلال عمليات البحث عن قاتل المبشرين، ولا يُتهم بعد كل هذا العرض المسرحي إلا الشاب الذي رافق ماكس في هذه الرحلة لأفريقيا كسائق، شاب لا يعلم عن كل هذه التفاصيل ولا عن الجريمة المزمع حدوثها ابتداءً، ولا كيف حدثت لاحقاً، فهذا الشاب هو شاب عاطفي كانت جريمته الوحيدة أنه لا يتوقع الشر من أحد.

أمريكا تتبجح بالعدل والمساواة وتحطم كل القوانين والأعراف الإنسانية بقوة القانون، روسيا تفتعل الحروب تخطط لها، وتشعل فتيلها، أوروبا تسلب الشعوب ثرواتها ومقدراتها بدعوى نشر الحضارة. ومن الضحية بعد كل ذلك؟ سؤال جوابه معروف، والمعروف لا يُعرّف.

أظهر قسطنطين جيورجيو كثير من التفاصيل والمفارقات في التركيب النفسي ولغة الجسد والتي سنتعرف من خلالها الحالة النفسية والشعورية للقائد، للمجرم، للأداة والضحية، جسد الصورة الذهنية التي كرس لها الغرب من خلال الشخوص فنجده يقول عن ستانيسلاس كريتزا الرجل الأبيض: (منهمكاً في قراءة كتاب، على عكس الرجل الأسود الذي لا يقرأ مطلقاً)، (ماكس أومبيلينيت -الرجل الأسود- لا يتحدث إلا الأمريكية بينما يجيب كريتزا بدقة بنفس اللغة التي يُسأل بها. ويشاع عنه أنه يتحدث كل اللغات المهمة ودزينة من اللهجات على الأقل)، اقليم آكلي لحوم البشر (منطقة متوحشة يسكنها سود عراة)، (ماكس أومبيلينيت يقوم بعمل قذر لأنه أسود، ... أما بالنسبة للرجل الأبيض فالأمر يختلف: فهو عندما يقوم بعمل قذر، فإنه يفعل ذلك بدافع المثالية ولدافع الإيمان به فالأبيض يملك حق الاختيار، ولهذا فهو أبيض).

انتهيت من قراءة هذه الرواية وأنا أقول، كم هو شبيه سيناريو هذه الرواية بالواقع اليوم، نصف قرن مر على السيناريو الذي خطه قسطنطين جيورجيو في هذه الرواية ومازالت المسرحية مستمرة ...



الأحد، 16 يوليو، 2017

الكُتّاب وفعل الكتابة ... توني موريسون



الروائية الأمريكية توني موريسون والحائزة على جائزة نوبل للآداب ١٩٩٣ عن روايتها محبوبة، تتميز رواياتها بقوة البصيرة والمضمون الشاعري الذي يمنح الواقع الأمريكي ملامحه الأساسية. ساهمت موريسون بإثراء الأدب الأمريكي ولهذا منحتها مؤسسة الكتاب الوطنية في عام ١٩٩٦ ميدالية المساهمة المتميزة في الآداب الأمريكية.

وكان لها في الحديث عن الكتابة وفعل الكتابة قولها*:

- اعتدت الكتابة قبل الفجر منذ وقت مبكّر من بدء مهنتي الكتابية. أكون حادة الذهن وأكثر ذكاءً وثقة بالنفس في أوقات الصباح.

- يحصل أن أمكث تسعة أيام متواصلة لأكتب في المنزل دون اختراقات أو انقطاعات ولا أستلم في العادة أية مكالمات هاتفية.

- أكتب عادة باستخدام قلم الرصاص.

- إن واحدة من معضلات الكتابة بالنسبة لي هي أن تكتب بلغة تستطيع بواسطتها إيصال أفكارك للقاريء، لذا يتحتم على الكاتب دوماً أن يتوخى شديد الحذر ويولي أهمية قصوى لما يكمن بين الكلمات.

- أبدأ الكتابة غالباً تحت تأثير فكرة ما حتى لو كانت صغيرة باعثة على الملل ولكنها تدفعني للكتابة عندما تستحيل سؤالاً ملحاً أعجز عن إيجاد جواب مناسب له.

- المتعة التي تجنيها من وراء قراءة أي كتاب هي التحية المناسبة والمكافأة للجهد الذي بذله الكاتب في عمله. 

- إذا استطعت أن تقرأ أعمالك بمتعة مع الحفاظ على المسافة النقدية المطلوبة بينك وبينها فإن هذا سيجعل منك كاتباً ومحرراً أفضل مع الوقت. 

- لم أكن لأرغب في مواصلة حياتي لو كنت لا أملك ما يدفعني للكتابة، فأنا مستغرقة في فعل الكتابة حيث أشعر بانتمائي إلى هذه الأرض وإلى الكائنات التي تعيش عليها.

- أبتغي من وراء عملي في الكتابة أن أستخلص شكلاً من أشكال الترتيب والإنتظام من كومة الفوضى التي نعيش وسطها. 

- متى ما صرّحت بحقيقة عملك ككاتب فلا يعود هناك مناص حينئذ من أن تجعل الناس الآخرين معنيين بالأمر... 


المصدر: كتاب أصوات الرواية (حوارات مع نخبة من الروائيات والروائيين) ترجمة وتقديم لطيفة الدليمي. 

الجمعة، 7 يوليو، 2017

الكُتّاب وفعل الكتابة ... إليف شافاق.




الروائية التركية إليف شافاق، روائية تركية وكاتبة عمود وأكاديمية تركية وتعد أعمالها بأنها الأكثر مبيعاً بين الكتاب الأتراك المعاصرين. ولدت في ستراسبورغ الفرنسية عام ١٩٧١م وتنقلت بين أماكن كثيرة وتشبعت بالنزعة العالمية العابرة للثقافات، ترجمت كتبها لأكثر من تسع وثلاثين لغة، ونالت وسام الفنون والآداب الفرنسي عام ٢٠١٠. 

ومن نتاج إجابات الكاتبة على أسئلة منتخبة من قسم الحوارات في موقعها الإلكتروني ألخص لكم وبتصرف بعض النقاط عن فعل الكتابة لديها: 


  • التقمص العاطفي  مسألة أساسية في فن الحكي القصصي.
  • الكتاب والأدباء بوسعهم لعب دور شديد الأهمية فالفن والأدب بعامة يملكان قدرة تغييرية مدهشة، ويستطيع الكتاب والفنانون شفاء الروح المجروحة والمواهب البشرية المثلومة والإرتقاء بالحدود الوهمية التي يضعها البشر لإمكانياتهم العظيمة، وفِي قلب كل أدب حي تكمن القدرة على التعاطف مع الآخرين وإثارة قدراتهم الخبيئة. 
  • ثمة وسيلة واحدة لكي يكون المرء كاتباً وتلك هي (كلما كتبت أكثر تعلمت كيف تكتب أفضل من ذي قبل). 
  • قواعدي في الكتابة هي: 
١- الكتابة هي الضريبة التي ندفعها لقاء عزلتنا وتوحدنا مع ذاتنا، وتفضيل الوحدانية على متع الحياة الإجتماعية.
٢- الطريقة الوحيدة لتعلم الكتابة هي بممارسة فعل الكتابة. الموهبة مهما بدت متوهجة لا تساهم بأكثر من ١٢٪في عملية الكتابة. العمل الدائب والصبور والمتواصل هو ما يساهم ب ٨٠٪من التطور والإرتقاء الكتابي، وال ٨٪المتبقية يمكن نسبتها إلى الحظ أو بصورة أدق إلى تلك العوامل التي تقع خارج ارادتنا. 
٣- إقرأ كثيراً. ولكن لا تقرأ للكتاب أنفسهم دوماً، اقرأ بتنوع كبير وبلا ترتيب. لا يمكن اختزال كتابة الرواية إلى محض وظيفة محددة في أُطر ضيقة وصلبة.
٤- اكتب الكتاب الذي لطالما وددت قراءته. إذا ما انعدمت المحبة بين الكاتب وما يكتب لن يكون هناك ما يدفع القاريء لمواصلة ما كتبه الكاتب. 
٥- لا تخش الإكتئاب فهو جزء مهم من عدة السفر اللازمة للولوج في طريق الكتابة.
٦- لا ترحم ذاتك في العمل اقطع إلغ، نقح ما شاء لك مما تكتب بلا رحمة. الكتابة السيئة مثل العلاقة السيئة لذا لا تدمن عليها لمجرد أنك اعتدت وسائلها السهلة والمريحة. 
٧- لا تكن قاسياً مع شخصياتك. لا تقلل أبداً من قدرهم ومكانتهم. وظيفتنا ليست إدانتهم بل أن نفهمهم ونساعد الآخرين على فهمهم أيضاً. 
٨- لا تبح أبداً بالرواية التي تنوي كتابتها، فمتى يحدث ذلك ستخسر الطاقة الروحية اللازمة للاندفاع بالعمل إلى نهايته.
٩- إنس أمر القراءة والنقاد، إنس أي أحد. اطرح عن بالك فكرة أن هناك كوناً خارجياً يقبع خارج ذاتك. 
١٠- إنس أمر كل واحدة من قواعدي في الكتابة فليس ثمة قواعد للكتابة وذاك هو الجَمَال الكامن في فعل الكتابة، وتلك هي الحرية الثمينة التي لما امتياز امتلاكها والتي ينبغي عدم السماح لكائن من كان أن ينتزعها منا. 



*المصدر: كتاب أصوات الرواية (حوارات مع نخبة من الروائيات والروائيين) ترجمة وتقديم لطيفة الدليمي

الثلاثاء، 4 يوليو، 2017

توأم الروح



كثيراً ما أسمع من يطلق على شخص ما (توأم روحي)، أو أرى من يتمنى أن يجد توأم روحه، وهذا حق مشروع لكل إنسان، فمن لا يجد نفساً تقترن بها نفسه فهو في وَحْشة.
توأم الروح المقصود هنا ليس فقط توأمها في الحب أو العشق بمعناه السطحي المتعارف عليه فتوأم الروح هو الشخص الذي تجد الروح فيه سلامها وطمأنينتها ويجد فيه القلب راحته هو الشخص لا تتغير نظرته ولا سلوكه معنا في كل حالاتنا واضطراباتنا. أخٌ كان أو أخت، زوجٌ كان أو صديق، فتوأم الروح سعادة حقيقية ونعيم ممتد، ولإيماني بأن الإنسان خُلق في كَبَد فأنا أؤمن بأنه لن يجد كل منا توأم روحه. توأم الروح واقع موجود ولكن الإلتقاء به وتمييزه شبه مستحيل. فمن وجد إلفه وتوأمه فلا يغفل عنه وليتمسك به، فكما يقول فاستون باشلر "استمالة الإنسان لروح آخره تعني أنه وجد روحه الخاصة".

كم نقابل من أصدقاء، كم نتعرف على أشخاص منهم من يبقى في حياتنا ومنهم من يغيب، كم شعرنا بعاطفة الحب ثم نجد ذاك الحب أمسى خبراً، فكانت علاقاتنا صرحاً من خيال فهوى، نعتقد ونظن أننا التقينا بتوأم الروح ومع الزمن تأتي الصدمة ...

إذن كيف لنا أن نعرف توأم روحنا، كيف لنا أن نميزه؟ إن ما ألهمني في البحث عن الجواب على هذا السؤال هو العلاقة العجيبة لمولانا جلال الدين الرومي وتوأم روحه ومرآة نفسه شمس الدين التبريزي ومنها استنبطت أول صفات توأم الروح ألا وهي صفة التناقض، فتوأم روحك هو نصفٌ مكمل لك وليس نصفاً مطابقاً لك، فتوأم الروح يكمل ما ينقصك، وإلا كيف اجتمع الفقيه ذو المكانة بذلك الدرويش المتأمل، فظاهرياً لا يستويان، إلا أن هناك ما تكتمل به الأرواح فكان أحدهما الصورة والآخر هو المعنى، لذلك نجد مولانا جلال الدين الرومي يقول "صورتك صفر، فابحث عن معناك". فنقطة الاكتمال هي أن يطلعك الله على توأم روحك.

من الأخطاء والمغالطات التي تأملتها، هي الاعتقاد بأن توأم روحك يجب أن يلازمك في كل وقت وحين، بمعنى أنه يتعامل معك أو تتعامل معه بمبدأ التملك، وكما يبدو لي هذه أنانية وحب تملك وليست ألفة ترتقي بها أرواحنا، فتوأم روحك هو أنضج من يُفهمك أن ذكاء المسافات مهم، فيُقال في المحبة "ابتعد حتى أراك" فالابتعاد بين الفينة والأخرى صحي لأرواحنا ومفيد لتقييم علاقاتنا، أولا تظهر صورتك في المرآة لك عند بعد معين؟ ألم ترى إلى الفنان حين يرسم لوحته يأخذ خطوتين للخلف أو حتى ثلاث ليتأكد من تناسق ألوانه وخطوطه؟ لذلك تجد توأم الروح هو أكثر من يسعى في تحريرك من محبته لك.

توأم روحك عنده صورة لك لم يرها أحد من العالمين، فلو سألت شخصاً ما ذا تعرف عن فلان وكان جوابه بما تعرف أو يزيد فاعلم أنه ليس توأم روحك. توأم روحك من المفترض أن تعرف خبايا روحه، تستطيع أن تصفه بوصف لا يصفه به أحد غيرك، فإن لم تعرف وصفاً إلا ما يعرفه الجميع فأعد البحث ... لأن توأم الروح أفضل رفيق في حرم الأسرار ومن أجل ذلك هو أجود من تتخذه عيناً عليك.

توأمك هو الإنسان الذي لا يجافيك ولا يطيل الخصام ولا يدعوك أو يجبرك على كثرة الاعتذار، بل هو الرفيق الذي يدربك على الإعذار لا على الاعتذار. بل على العكس هو شخص تستوهب عتابه تريد منه العتاب لأنك تعلم أنه لا يعاتبك إلا بصدق لأنه لا يريد أن يخسرك فكما يُقال "استبقاك من عاتبك".

يقول سيدنا عمر بن الخطاب "ما أطولها من ليلة لا يرى المرء فيها إخوانه" فهكذا هو توأم الروح تشعر بوخزة في صدرك حين تتذكره يطول ليلك في غيابه فهذا الشخص هو أوجع من يعالجك بالحنين وهو أسرع من تجود ذاكرتك بتحضيره فتسافر روحك إليه، تشعر وكأنه قطعة منك. أما حين تراه مقبلاً عليك فهو أقلق من يقلقك قربه لكثرته، بمعنى أنك تجد روحك تحتار وتقلق، كيف ترحب به ترحيباً يليق به؟ ماهي الكلمات التي تستقبله بها؟ تجد أنك مبعثر لفرط فرحك به، تجد أنه أعجب شخص تجتمع له حواسك، تقشعر، وتلك قشعريرة المحبين. 

ولا بد أن هناك الكثير من حالات الشعور التي نشعر بها اتجاه توأم الروح ولكل شخص حالات تخصه، فللروح عجائب ولتأثير توأمها غرائب:

في وجنة المحب سطور رَقِيمِه 
طوبى لمن يصير لمعناه تاليا