الثلاثاء، 26 سبتمبر، 2017

ظل الريح.. كارلوس زافون



ظل الريح، والصادرة عن دار ميسكيلياني والتي أتحفت القاريء العربي باكتشاف هذا الروائي الحكاء والممتع كارلوس زافون والذي سيجذب من خلال روايته ظل الريح أكثر القرّاء مللاً ليحبس أنفاسهم من خلال هذه الرواية التي شُبهت شخوصها بلوحات الرسام بيتر بروغل، فشخصيات بروغل في لوحاته كثيرة ولكل منها دور مستقل فليس في اللوحة شخصية تطغى على الأخرى، وهكذا كانت شخوص رواية ظل الريح تبرز بصورة مشوقة، لا تشعر بوجود شخوص هامشية، فلكل شخصية دور تكتمل به هذه الأحجية من خلال السرد الذي يكتنفه الغموض والتشويق، وكدمية الماتريوشكا، قصة بوليسية بداخلها قصة رومانسية بداخلها قصة فلسفية إنسانية، قصة بداخل قصة.

تبدأ الرواية عندما اصطحب سيمبيري بائع الكتب ابنه دانيال إلى مقبرة الكتب المنسية ليتعرف على هذا المكان الذي يعد مخبأ لكل كتاب نادر فهذه المقبرة كما صرح سيمبيري لإبنه دانيال أنها "معبد، حرم خفي. كل كتاب مجلد هنا تعيش فيه روح ما"، نلمح من بداية هذه الرواية ثيمة النسيان والذكريات، من اسم أول فصول هذه الرواية "مقبرة الكتب المنسية" وأول جملة في السرد نطق بها الطفل دانيال "لن أنسى أبداً ذلك الصباح الذي اقتادني فيه والدي إلى مقبرة الكتب المنسية".

في زيارته الأولى اختار دانيال كتابه الأول من هذه المكتبة وقد كانت رواية لكاتب مغمور هو خوليان كاراكس بعنوان "ظل الريح"، سكنت تلك الرواية هذا الطفل الذي قرأها بكل شغف وبكل فضول دفعه للبحث عن قصة صاحب هذه الرواية وهكذا هي قراءاتنا الأولى دوماً لأنه "لا شيء قادر على التأثير في القاريء أكثر من الكتاب الأول الذي يمس قلبه حقاً. إذ أن صدى الكلمات التي نظن بأننا نسيناها يرافقنا طوال الحياة، ويشيد في ذاكرتنا منزلاً سنعود إليه عاجلاً أم آجلاً"، وحينها بدأت تتعقد الأحداث في سبيل معرفة هذا الشخص حتى صادف دانيال (لايين كوبرت) والذي أخذ على نفسه عهد بإحراق كل كتب خوليان كاراكس وملاحقة كل من يمتلك أي كتاب له. وفي ظل سلسلة من الأحداث المشوقة والتي يظهر فيها الكثير من الشخصيات والتي يغوصk ويبدع كارلوس زافون في إظهار تركيبتها النفسية، وبعد الكثير المفاجآت يتضح أن لايين كوبرت هو نفسه خوليان كاراكس والذي أخذ على نفسه عهداً بحرق كل ما يتعلق بماضيه لأنه آمن بأن سبب تعاسة حاضره ومستقبله هو ماضيه. وهنا يتضح الدرس الأكبر من هذه الرواية، فتعلق الإنسان بالماضي ومحاولة الحكم على حاضره ومستقبله بميزان ماضيه ما هو إلا قنبلة موقوتة يدمرالإنسان روحه بها. وفي نفس الوقت تعقدت حياة الطفل دانيال حتى كبر وهو مازال يبحث عن حقيقة كاراكس وهنا يتضح أيضاً أن البحث في الماضي والأمور الخفية لا يزيد الأمور إلا تعقيداً.

تدور أحداث الرواية من منتصف أربعينيات القرن المنصرم مع نهاية الحرب الأهلية الإسبانية وما جرى خلالها حينما "غادرت الرحمة قلوب الجميع"، صورت الرواية الظروف الحياتية خلال حكم الجنرال فرانكو والذي لا يختلف عن وضع أي حكم ديكتاتوري من هذا النوع، لا يخلو من الفساد، والجريمة، الرشوة، والظلم. في مثل هذه الظروف لا يتورع الإنسان في أن يتحول إلى وحش قاتل، فنجد من يبني أمجاده على أنقاض فرائسه. صورت أحوال الناس وتباينهم في نسيان الحروب والانفتاح على المستقبل أو التعلق بمآسي تلك الحروب والعيش على أطلالها حيث من المفترض أنه لا شيء "يشجع على النسيان كما تفعل الحرب" فيقول سيمبيري لابنه دانيال " في الحروب تحدث أشياء فظيعة للغاية يصعب شرحها يا دانيال، من الأفضل أحيانا ألّا نحفر في الماضي " وها هنا يؤكد مرة أخرى على ضرورة إلقاء مآسي الماضي خلفنا والبدء من جديد إذا ابتغينا الحياة. في مثل هذه الظروف تندثر ثروات وتتفكك عوائل وتبنى غيرها وستختلف الظروف حتماً ولكن لا يجب أن يكون كل ذلك عائقاً عن الحياة، الحياة لا تستمر ولا تسير إلا بالنظر قدماً، بالتفاؤل والحب وهذا ما سيتم كشفه من خلال هذه الرواية.

لا أريد أن أكشف الكثير من التفاصيل حتى أترك لكم لذة الدهشة، ولكن ستجد عزيزي القاريء أن سرد الرواية متنوع ومتسارع يحمل الكثير من الرمزيات والنكات والفكاهة تارة والجمل الفلسفية العميقة تارة أخرى، مما يبرز صعوبة ترجمة هذه الرواية المتسارعة الغامضة ولذلك نشكر المترجم معاوية عبدالمجيد على هذا المجهود الكبير في نقل هذه الرواية إلى العربية ولتوضيحه لبعض هذه الرمزيات بدون التأثير على حيوية السرد وتسارعه.




لمتابعة قناة حرم الجمال: 
التيليجرام : انقر هنا
اليوتيوب : انقر هنا



السبت، 16 سبتمبر، 2017

الحب .. والزواج



هل الحب شرط للزواج؟ هل الزواج شرط للحب؟
جوابي عن هذين السؤالين هو أن الزواج والحب مختلفان، فالحب الذي أقصده، العشق، الصبابة، الهيام، بكل مسمياته هو العنفوان، والزواج مودة ورحمة، وسَعِد من كان زواجه مودة ورحمة وعنفوان.
ومن هنا ينبثق السؤال، لماذا يفشل في مجتمعنا (عادةً) الزواج بعد قصة حب؟ أليس من الأولى استمراره وبسعادة، طالما أنه جمع المودة والرحمة والحب؟

ومن خلال تأملاتي أجد أن الزواج عن حب في مجتمعنا غالباً ما يفشل ليس لأننا لا نعرف كيف نحب، وليس لأنه ليس من عاداتنا وتقاليدنا أن نحب قبل الزواج، فالحب شعور وليس شيء يمكن استخدامه أو تعطيله حسب القوانين والعادات. من وجهة نظري كل من هذه التفسيرات وما شابهها مجرد مشجب نعلق عليه أسباب هذا الفشل.

لنأخذ القصة من بدايتها وبشيء من التأمل نجد أننا نبني علاقاتنا على تورية العيوب وإظهار أفضل ما فينا، والأدهى اصطناع الحسن، ثم تأتي الصدمة بعد أن تُكتشف الحقيقة. يأخذنا العنفوان تارة أو الخوف تارة أخرى من خسارة هذه العلاقة إلى فعل ما لا طاقة لنا به لإرضاء الطرف الآخر، ومع مرور السنين تنفجر تلك الطاقة وتؤدي إلى ما لا يحمد عقباه فلكل شيء حد وينتهي وغالبا ما يكون ذلك بعد الزواج عندما تُجلي الحياةُ الواقعَ وتظهر خباياه.

نتعامى عن الفروقات العلمية والمعرفية، أو الفروق الاجتماعية عند البدء في علاقاتنا وذلك بدافع الحب وخدعة الرومانسية، هذه الفروقات حقيقة يجب ألا نغفل عنها، يجب الوقوف عندها كثيراً والتأمل فيها والتفكير في عواقبها بتأمل وعقل واعي لا بقلب مخطوف حباً وصبابة لأنه عندما تأتي لحظة ينتفي فيها الاحترام يعيب الواحد آخَرَه بنقصه، وكأنه إنسان كامل خالي من العيوب. وإن فُقد الاحترام فُقد كل شيء.

لنفترض أننا تجاوزنا المراحل السابقة وكل شيء سار على أفضل حال وتم الزواج، عندها يجب أن نحذر من غياب الواقعية، ونسيان الأصل في الزواج ألا وهو -جانب المودة والرحمة- ورغبتنا في بقاء العنفوان فقط وكأنه الشرط الأوحد لاستمرار ونجاح الزواج. يجب علينا ألا نتجاهل أو نغفل عن أن الزواج مشروع حياة وبناء يستند على الكثير من الأمور المشتركة والهموم المشتركة والمشاريع المستقبلية كالأبناء والتربية، تأسيس مستقبل وجيل جديد، الحب أحد هذه الأعمدة التي يقوم عليها هذا البناء وليس الوحيد، وتناسي المودة والرحمة وما تتضمنه، والبحث عن عنفوان العشاق فقط حتماً سيهدد هذا البناء بالتهدم والسقوط.

ثم نأتي إلى الطامة العظمى – حب التملك والأنانية - لا نؤمن بأن لكل شخص كينونته الواجب احترامها والحدود التي يجب التزامها والطباع والتقلبات الفكرية والنفسية التي يجب التكيف معها واحترامها. فنحن لسنا كالروبوت الآلي يمشي بنسق واحد لا يتغير لا يتبدل ويؤدي ما عليه كما برمجه مالكه. يريد أحد الزوجين آخَرَه رهن إشارته في نشاطه وتعبه، في سعادته وحزنه، يريد أن تُلغى كل المشاعر وبكل أنانية.


إذن يجب أن نتحلى بالواقعية، يجب أن نؤمن أن الحياة متغيرة ودوام الحال من المحال، الحياة أولويات، أخذ وعطاء، فهذه الواقعية تخفض سقف التوقعات تجعل الإنسان متصالحاً مع ذاته في بناء علاقاته بشكل عام، تجعله متأكدا من الشخص الذي يريد الارتباط به على وجه الخصوص، وبكل عيوبه وحسناته. يجب علينا فرض احترامنا فلا تنازلات ولا خضوع في شيء نعلم أننا لا نستطيع الاستمرار عليه سواء بدافع الحب أو بفكرة التضحية من أجل العلاقة وهذا لا يتم إلا بالصدق التام مع الذات، لأنه إذا خسرنا احترامنا لذواتنا خسرنا احترام الآخرين، فالاحترام الواعي المبني على أسس عقلية هو ما يلغي الفروق الاجتماعية والعلمية ويخرج العلاقة من تخلف العادات ولؤم ونقص الإنسان إلى رحاب كمال الحب والمحبة.

الأحد، 6 أغسطس، 2017

شحاذو المعجزات


من بعد قراءتي للرواية الشهيرة الساعة الخامسة والعشرون لقسطنطين جيورجيو ها أنا أقرأ الرواية الثانية له من إصدار دار ميسكيلياني وترجمة وحيدة بن حمادو، الطبعة الأولى ٢٠١٧م، رواية (شحاذو المعجزات) والتي يكمل من خلالها قسطنطين جيورجيو مشواره في تعرية الوجه الآخر، الوجه اللاإنساني للحضارة الغربية بوجه عام والحضارة الأوربية بوجه خاص، فبطلي هذه الرواية (ماكس أومبيلينيت) و (ستانيسلاس كريتزا) هما رجلان أحدهما أسود والآخر أبيض، جسّد من خلالهما العنصرية المتسترة بستار الحضارة وقوانين المساواة.

ماكس أومبيلينيت، أمريكي أسود مليونير، وكأن قسطنطين جورجيو أراد هنا أن يصور أفريقيا القارة السوداء الغنية بثرواتها من خلاله. فكيف تعاملت أمريكا مع مواطنها الأسود؟ سلبته حياته وكرامته بأبشع الصور وأقذرها وتحت حماية القانون! بعد أن تم اختطافه من قبل البيض وتم التمثيل به والقضاء على رجولته، نجى أولائك المجرمون بفعلتهم بحكم القانون القائم على شهادات الزور لأن القضاة (لا يحققون العدالة انطلاقاً مما يعرفونه، وإنما بالاستناد إلى الأدلة التي يمتلكونها. الله وحده هو العليم، فالقضاة الذين ليسوا إلا بشراً لا يعلمون شيئاً. وبالتالي، فإن تقديرهم للحقيقة يستوجب توفر أدلة).

قرر ماكس أن يغادر أمريكا للأبد بعد أن رحبت به روسيا محاولة اظهار أنها دولة تسعى لتحقيق العدالة والمساواة وإعطاء أصحاب الحقوق حقوقها ولم يكن ذلك سوى قناع يتم من خلاله استغلال أفريقيا المتمثلة هنا بماكس، وتشويه نزاهة الحضارة الأمريكية.

في روسيا التقى ماكس وستانيسلاس بعد أن تم اختيار ماكس بعناية لتنفيذ عملية اغتيال أربعة مبشرين في أفريقيا وبالتحديد في قرية (آكلو لحوم البشر) وهذا الوصف لهذه القرية ما هو إلا صورة تعكس نظرة الاحتقار التي يُنظر بها إلى هؤلاء. أوكلت هذه المهمة لماكس لأنه رجل اسود والاغتيالات عمل قذر (لا يوكل إلا لرجل أسود. فالأبيض لن يقبل القيام بعمل كهذا). لم تكن هذه الجريمة إلا ذريعة يتم من خلالها إبادة هؤلاء السود من قبل الأوربيين بحجة الانتقام من جهة ولتأليب الرأي العام من جهة أخرى لقيام ثورة في هذه المناطق تطيل من مدة الاستعمار في هذه المنطقة بحجة تعليمهم الحضارة، لأنهم يزعمون أن (تحرير الشعوب البدائية لا يمكن أن يتم إلا بعد ترحيلها نحو الحداثة).  

تمت الاغتيالات، تمت عملية البحث عن القاتل وإبادة الشعب بحجة البحث والتحري، تقوم الثورة، تعلن أوروبا ضرورة محاسبة الجنرال المسؤول عن المجازر التي تمت خلال عمليات البحث عن قاتل المبشرين، ولا يُتهم بعد كل هذا العرض المسرحي إلا الشاب الذي رافق ماكس في هذه الرحلة لأفريقيا كسائق، شاب لا يعلم عن كل هذه التفاصيل ولا عن الجريمة المزمع حدوثها ابتداءً، ولا كيف حدثت لاحقاً، فهذا الشاب هو شاب عاطفي كانت جريمته الوحيدة أنه لا يتوقع الشر من أحد.

أمريكا تتبجح بالعدل والمساواة وتحطم كل القوانين والأعراف الإنسانية بقوة القانون، روسيا تفتعل الحروب تخطط لها، وتشعل فتيلها، أوروبا تسلب الشعوب ثرواتها ومقدراتها بدعوى نشر الحضارة. ومن الضحية بعد كل ذلك؟ سؤال جوابه معروف، والمعروف لا يُعرّف.

أظهر قسطنطين جيورجيو كثير من التفاصيل والمفارقات في التركيب النفسي ولغة الجسد والتي سنتعرف من خلالها الحالة النفسية والشعورية للقائد، للمجرم، للأداة والضحية، جسد الصورة الذهنية التي كرس لها الغرب من خلال الشخوص فنجده يقول عن ستانيسلاس كريتزا الرجل الأبيض: (منهمكاً في قراءة كتاب، على عكس الرجل الأسود الذي لا يقرأ مطلقاً)، (ماكس أومبيلينيت -الرجل الأسود- لا يتحدث إلا الأمريكية بينما يجيب كريتزا بدقة بنفس اللغة التي يُسأل بها. ويشاع عنه أنه يتحدث كل اللغات المهمة ودزينة من اللهجات على الأقل)، اقليم آكلي لحوم البشر (منطقة متوحشة يسكنها سود عراة)، (ماكس أومبيلينيت يقوم بعمل قذر لأنه أسود، ... أما بالنسبة للرجل الأبيض فالأمر يختلف: فهو عندما يقوم بعمل قذر، فإنه يفعل ذلك بدافع المثالية ولدافع الإيمان به فالأبيض يملك حق الاختيار، ولهذا فهو أبيض).

انتهيت من قراءة هذه الرواية وأنا أقول، كم هو شبيه سيناريو هذه الرواية بالواقع اليوم، نصف قرن مر على السيناريو الذي خطه قسطنطين جيورجيو في هذه الرواية ومازالت المسرحية مستمرة ...