المشاركات

طائر الليل البذيء*

صورة
"  من أراد أن يغامر ويبحر في عوالم فنتازيا لا يخرج منها إلا بما تخرج به الشبكة من شعاع الشمس أو قبضة اليد من الريح فعليه بهذه الرواية. "
بهذا الوصف قدّم المترجم بسام البزاز رواية طائر الليل البذيء للروائي التشيلي "خوسيه دونوسو"، وبسبب هذا الوصف ظلت هذه الرواية على أرفف مكتبتي لأشهر، حتى تملكتني روح المغامرة لانتشالها وقراءتها، وما هذه القراءة إلا لما قبضت عليه يدي من الريح العاصف الذي جاءت به أحرف هذه الرواية والتي جسدت مجتمعين مختلفين، كل واحد منهما في مكان وزمان مختلف عن الآخر، ولكنهما مترابطين. 
مجتمع الراهبات الطاعنات في السن، وهذا ما يمثل المجتمع الديني بما يحمله من أساطير، وخرافات، مجتمع يعكس صورة الخيال الجمعي لهذا الشعب، شعب تشيلي ذلك الجزء من العالم والذي تنتشر فيه حكايا الخرافة، السحر، والشعوذة، وأساطير القداسة. مجتمع لا يُسيّره سوى القيل والقال فيقولون: "كلمة قديرة قادرة على كل شيء في أفواه العجائز" من دون أن يعرفن من يقول ولمن يقول ومتى يقول وكيف يقول، ولكنهم يقولون ذلك. "يقولون إن المرأة حين تضاجع رجلاً بعد طول انتظار يولد الطفل مسخاً"،…

موت ايفان ايلتش* .. حتمية الحياة والموت.

صورة
سبع وثمانون صفحة كتب ليو تولستوي من خلالها عن موت ايفان ايليتش وبالرغم من قلة هذه الصفحات وتناولها لهذا الحدث بشكل بسيط ومباشر، إلا أنها ناقشت وبعمق فلسفي كبير قضية الحياة والموت، وتفاعل الناس مع هذه الحتمية. 
ايفان ايلتش رجل يمثل الطبقة المتوسطة في القرن التاسع عشر طموح، تدرج في مناصبه سائراً في الطريق الصحيح لتحقيق أحلامه، "سارت حياته على النحو الذي اعتقد إنها ينبغي أن تسير عليه: بسهولة، وسعادة ولياقة" أصبح قاضي تحقيق وعندها بدأت شهوة المناصب تعتريه وقوة السلطة تطغى عليه وكانت لذة "قدرته على إدانة أو سجن من يشاء"، وقدرته "على تدمير كل من يشاء " هي أكثر ملذاته متعة.  إلا أن مرضاً عضال أصابه، وقطع عليه الطريق، حينها بدأت المرحلة المفصلية في رحلة الحياة هذه فتحول الطموح نحو الحياة وكأن الموت ليس له وجود، إلى خوف من الموت وكأن الحياة لم تكن. في هذه اللحظات تقلبت أحوال ايفان ايلتش وتأملاته في معنى الحياة والموت. 

اقرأ في هذه المدونة " الحب موت صغير"انقر هنا

في بداية مرضه لم يستطع ايفان أن يتقبل فكرة الضعف أو الموت، هكذا هو الانسان، كم هو غريب حاله، فب…

الصبية والسيجارة .. الحرية تحتاج إلى التخلص من الحرية!

صورة
بونوا ديتيرتر يقدم لنا من خلال روايته "الصبية والسيجارة" ديستوبيا ساخرة تعري القوانين والأنظمة التي صنعتها المجتمعات المتحضرة والتي من خلالها تدعي مراعاة الصالح العام وفي الحقيقة يختفي خلفها الكثير من التناقضات. فكانت محور هذه الرواية سيجارة، مجرد سيجارة ساهمت في حفظ حياة ديزيري جونسون وحولته من قاتل ينتظر حكم الإعدام إلى بطل قومي، وهذه السيجارة ذاتها حولت حياة الراوي، الموظف المرموق إلى جحيم.
ديزيري جونسون طلب من هيئة تنفيذ حكم الإعدام أن يستمتع بسيجارة أخيرة قبل تنفيذ الحكم، فحسب القوانين والأنظمة وتحديداً الفصل السابع والأربعين من قانون العقوبات "بإمكان المحكوم عليه بالإعدام، أن يحقق قبل تنفيذ العقوبة رغبة أخيرة منسجمة مع الأعراف المتبعة ... من قبيل شرب كأس من الكحول أو تدخين سيجارة" وفي نفس الوقت كان مبنى السجن يُمنع فيه التدخين منعاً باتاً. تضاربت القوانين وتأجل حكم الإعدام إلى حال النظر في حل مناسب. اتضحت هنا هشاشة هذه الأنظمة "لأن الدفاع عن صحة شخص محكوم عليه بالموت قد تبعث على الحيرة".  توالت النقاشات والأحداث حتى تدخلت شركات التبغ لاقتناص فرصة اظه…

من طب العيون .. لامتاع العيون!

صورة
هل من الممكن أن تكون زيارة متحف فني هي نقطة تحول جذرية في حياة شخص ما؟
سؤال عبثي. قادني البحث عن جواب هذا السؤال إلى العام ١٩٤٧م، لأقرأ عن طالب طب شاب في الثانية والعشرين من عمره، مهتم بالمناظر الطبيعية والفن الكلاسيكي مثله مثل أي شاب يعيش في ذلك العصر ويفتقر إلى الثقافة الفنية اللازمة، وإنما يتبع شغف المجتمع المحيط به والأسماء المشهورة التي يتهافت إليها الجميع كرامبرنت أو آلبرخت دورر على سبيل المثال. وفي إحدى الأيام دعاه أحد أصدقائه في كلية الطب لحضور مزاد علني على مجموعة من الأعمال الفنية، فيقول: "ذهبت وشهدت مزاداً علنياً علي مئتي لوحة، ولم يعجبني منها سوى اثنتين". كانت هذه الزيارة هي الشرارة التي دفعته لزيارة متحف تاريخ الفن (kunsthistoriesches museum ) لأول مرة في حياته، فكانت زيارة مبهرة على حد قوله فمن خلالها أيقن أن هناك جمالاً غير جمال الطبيعة، هناك جمال متناغم  في هذا الكون يوازي جمال الطبيعة. عندها بدأ شغف هذا الشاب بجمع اللوحات الفنية، فكان معياره الأول وهو في ذلك السن هو اعجابه الخاص بالعمل، والسعر المناسب بكل تأكيد ثانياً. 

اقرأ في هذه المدونة "ومضات على حياة…

المسيح يصلب من جديد !

صورة
نيكوس كازانتزاكيس كاتب ومفكر يوناني يعد من أشهر الكتاب العالميين ولد في جزيرة كريت في الثامن من ديسمبر ١٨٨٥م ودرس القانون في جامعة أثينا ثم انتقل منها لدراسة الفلسفة في باريس وتعود تجربته الفكرية، الفلسفية إلى اعتزاله الناس بعد عودته من باريس واعتكافه في دير للرهبان فوق جبل آتوس وذلك للتأمل والتفكر في أفكاره الموروثة وتقييمها ثم خرج بعد ذلك ليكتب ويبدع مجسداً المشهد الإيجابي للعزلة والانقطاع للتأمل. فكتب لنا عمله الشهير زوربا اليوناني (انقر هنا)، وأعمال كثيرة أخرى أتناول منها روايته الشهيرة الأخرى "المسيح يصلب من جديد". 
المسيح يصلب من جديد رواية فلسفية اجتماعية يشرح من خلالها الإنسان والمجتمع وتناقضاته، صراع الخير والشر، وبالرغم من هذا الموضوع الشائك إلا أن الرواية سلسة سهلة، تأخذ القاريء بتصاعد تدريجي على سلم الإثارة. رواية بطلها الحقيقي هو عيد القيامة وهو أعظم الأعياد المسيحية وأكبرها والذي يستذكر فيه النصارى صلب المسيح وقيامه من بين الأموات بعد ذلك، فمن خلال هذا الحدث ومن خلال شخوص الراوية الذين كان عليهم تمثيل هذا الحدث في اليوم العظيم تم بناء هذا النص الإبداعي.  

اقرأ في…

جياكومو ليوپاردي

صورة
جياكومو ليوپاردي ( ١٧٩٨-١٨٣٧م ) فيلسوف، شاعر، كاتب وعالم في فقه اللغات ويعد من أكثرالمفكرين صرامة في القرن التاسع عشر وذلك في سبيل حرية أفكاره وتقنية كتابته. كان أحد أبناء الأسر النبيلة كان أبوه الكونت مونالدو ليوباردي رجلاً مولعاً بالأدب ولكنه كان صاحب فكر رجعي لا يقبل التغيير أو مجرد التفكير في التغيير أو الميل عن المنهج المعد له مسبقاً من قبل رجال السياسة والدين، أما أمه فكانت سيدة صارمة، ذات دم بارد، سلطوية لا يهمها سوى الثروة وبناء السلطة فكان يعيش هو وأخوه كارلو وأخته باولينا في بيئة منضبطة وتحت نظام ديني صارم.  وفي ظل هذا النظام الصارم حُرم من التعليم الرسمي والمحفز على التفكير واقتصر تعليمه على ما احتوته مكتبة أبيه الزاخرة بأنواع المؤلفات، وتلقى تعليمه هذا تحت وصاية اثنين من الكهنة، فقام بقراءة واسعة وعميقة لكثير من الأعمال الكلاسيكية والأعمال الفلسفية فكان بإمكانه قراءة وكتابة اللاتينية واليونانية القديمة والعبرية بطلاقة. وكان من أسباب انكبابه على هذه العلوم والاستغراق فيها هي حاجته للهروب من البيئة الصارمة في منزل والده ومما زاد من ذلك هو مرضه الذي أصيب به فحرمه من أبسط ملذات …