المشاركات

من حياة الأدباء | ٠٣ | غوستاف فلوبير

صورة
  "الكتابة مهنة الضعفاء والمجانين. أنت خُلقت لتمسك المشرط لا القلم" هذا كان رد فعل والد غوستاف فلوبير عندما مزق أول قصة كتبها ابنه، فكان ذلك الجراح الشهير المدعو آخيل سليوفاس لا يرى في ابنه سوى أن يكون جراحاً مثله. وبالمقابل كانت أمه قارئة نهمة ولا تخلو مكتبتها من الروايات والقصص فتأرجح فلوبير بين صرامة والده وعطف أمه وتقديرها للأدب وهذا مما جعله مترددا في شخصيته، فقد كتب في يوم من الأيام لعشيقته لويز كوليه "كنت ذلك الانسان الذي بلا هوية ويريد الآخرون أن يشكلوا له حياته". حاول أن يكتب فلوبير وهو في سن صغيرة وكان كاتبه المفضل فيكتور هيغو وشاءت الأقدار أن يزوره في يوم ما، فكتب لوالدته فرحاً بهذا اللقاء "أخيراً استمتعت برؤيته عن قرب، فحدقت به مشدوهاً كما أحدق في إناء مملوء بملايين الجواهر الكريمة متأملا كل صغيرة وكبيرة تصدر من هذا الرجل الذي يجلس بجواري على مقعد صغير، مدققاً النظر في يده اليمنى التي كتبت كل تلك الروائع الجميلة قائلاً لنفسي هذا هو الرجل الذي جعل قلبي ينبض أشد نبض عرفته منذ ولدت والذي أحببته أكثر من جميع من أعرف. عاش فلوبير في رخاء مادي وكأي شاب من ...

من حياة الأدباء | ٠٢| ادغار الآن بو

صورة
    "لقد نعتني البشر بالجنون، ولكن السؤال لم يستقر هناك. هل الجنون علامة سامية على الذكاء؟ أصبحت مجنوناً، بفواصل زمنية طويلة من العقلانية الرهيبة".   هكذا قال إدغار آلان بو الكاتب، والشاعر، والمحرر، والناقد. الأديب الذي أبدع قصص التحري والقصص البوليسية والقصص المرعبة. إدغار آلان بو أثر بعبقريته في عدد لا يحصى من مؤلفي أمريكا وبريطانيا وأيضاً أثر في أشهر أدباء فرنسا كرامبو وبودلير، وفي آخر خمسين عام أثرت أعماله في النظريات العلمية، خصوصاً التي تربط بين النظرية والنفسية والأدب.    ولكن ماذا خلف هذه العبقرية؟ ما هو الوجه الآخر لحياة ادغار آلان بو؟   ولد ادغار آلان بو في عام ١٨٠٩ تخلى عنه والده وهو طفل وبعدها بسنة توفيت والدته بمرض السل وهو ما يزال طفل يبلغ سنتين من عمره فأخذه تاجر اسكوتلندي اسمه جون آلان في حضانته، هذه الأحداث كانت شرارة خلف ظلامية واكتئاب ادغار، فكان الموت مسيطر على أفكاره، حتى أنه في سن السادسة كان يتخيل أن الموتى يخرجون من قبورهم ويركضون وراءه، فكانت فكرة الموت ممزوجة في أعماله الشعرية فكان يقول "لم أستطع أن أحب إلا إذا كان الموت يمزج أنفاس...

من حياة الأدباء | ٠١| أونوريه دي بلزاك

صورة
  "لقد أدانتني كل النساء. لقد عقدت العزم على الانتقام من المجتمع؛ كنت سأهيمن على الفكر الأنثوي، وسأجعل الروح الأنثوية تحت رحمتي"   هكذا يصف حاله أحد أبطال روايات بلزاك موقفه مع النساء وهذا ما يعكس روح الشاب الفرنسي المولود في عام ١٧٩٩م، وهذه الروح، لعل لها قصة ساعدت على تكوينها، بالرغم من أنه شاب له كثير من الصداقات إلا أنه لم يكن محبوباً من النساء ولعل قصر قامته لعب دوراً في ذلك، وفي أحد الأيام حاول أن يأخذ دروساً في الرقص حتى يتمكن من لفت أنظار النساء، دخل قاعة الرقص وسط حشد من النساء، لينزلق بعد دخوله بلحظات ويسقط، فكانت السخرية   والضحكات التي تلقاها لا تغيب عن ذاكرته، ومنذ تلك اللحظة لم يرقص بلزاك في حياته.    أما بلزاك الطفل فلم يحظ برعاية أبوية وأُدخل إلى مدرسة داخلية لم يستطع الخروج منها حتى في أيام العطل، وعندما شب عمل في مؤسسة قانونية في باريس جعلته يقترب أكثر من عالم الخداع والجشع، وبدأ في تكوين صورة عميقة عن النفس البشرية في الأحوال المختلفة. وهكذا بدأت تجارب حياته في صقل أفكاره التي أراد أن يكرسها في أعماله حينما قرر أن يكون كاتباً.    ولك...

باهَبَل مكة Multiverse - رجاء عالم

صورة
    جميعنا يعرف تاريخ مكة المكرمة مهبط الوحي، فكل مافي هذه المدينة نعرف تفاصيله وتاريخه، ولكن ماذا عن مجتمع هذه المدينة؟ ماذا نعرف عمن يسكن هذه المدينة؟ ماهي التفاصيل التي فرضتها قدسية هذه المدينة على هذا المجتمع من الداخل وما ذا كان الأثر؟ هذا ما تحاول أن ترويه الروائية رجاء عالم إبنة مكة المكرمة والتي تعرف تفاصيل هذا المجتمع، وكما يقال "أهل مكة أدرى بشعابها" فها هي رجاء عالم تأخذ بأيدينا بين هذه الشعاب وتدخل في تفاصيل عائلة مكية أسمتها عائلة السردار، عائلة ثرية من عوائل مكة المكرمة. من خلال هذه العائلة تتضح التركيبة الاجتماعية للعائلات الممتدة التي يكون فيها للأب الأكبر كامل السيطرة على هذه العائلة في كل سكناتها وحركاتها. وعبر تاريخ هذه العائلة نتعرف على المجتمع المكي منذ الأربعينات الميلادية، نتعرف على المكان والإنسان، كيف كانت مكة المكرمة وكيف أصبحت من بعد أن تحولت إلى مدينة الأبراج، كيف كانت التركيبة الاجتماعية وكيف تغيرت مع الزمن.  الحكاية تبدأ من زمن وجدت فيه الجواري فكان لمصطفى السردار ابنة من جارية لم يعترف بأبوتها إلا بعد حين، فكيف كان اندماج تلك الفتاة مع بناته...

عبادة المشاعر

صورة
  يناقش الفيلسوف والكاتب الفرنسي ميشيل لكروا في هذا الكتاب الهوس بموضوع المشاعر، حيث أننا نسمع كثيراً عن المشاعر وعلاقتها بحياتنا وكيف أن هناك الكثير من النشاطات والتمارين والجلسات العلاجية من أجل المشاعر، ففي هذا الكتاب يستعرض هذه المشاعر المؤقتة التي أصبح الانسان الحديث يسعى إليها، يناقش المسار التاريخي للمشاعر من عهد اليونان إلى العصر الحديث وكيف تدرج الإنسان من أن المشاعر كانت في ذلك الزمن تعبر عن ضعف الانسان، ثم تصالح الانسان مع هذه المشاعر في عصور الرومانسية  ثم أتى العصر المادي وتنحى موضوع المشاعر إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية فظهرت بعد ذلك حركة العودة لتقديس المشاعر ولكن عودتها هذه كانت عودة للمشاعر الانفعالية وليست التأملية أي أصبحت مشاعر مؤقتة وليست دائمة تثري الروح، أي أن هناك صحوة للمشاعر القوية وليس للأحاسيس العميقة.   ما الذي أدى إلى تنحية دور المشاعر؟ وما الذي أدى إلى صحوتها في العصر الحديث؟    السياق التاريخي الذي جعل الانسان الغربي يخاف من هيمنة المشاعر وقوتها هو ما رآه خلال الحرب العالمية من أثر المشاعر التي كان يلهبها هتلر بخطاباته وك...